جلال الدين السيوطي
187
الإتقان في علوم القرآن
والوقف على كلّ كلمة جائز ، ووصل القرآن كلّه جائز ، فاحتاج القياس إلى طريق تعرّفه ، فنقول : فاصلة الآية كقرينة السجعة في النثر وقافية البيت في الشعر ، وما يذكر من عيوب القافية - من اختلاف الحركة والإشباع والتوجيه - فليس بعيب في الفاصلة ، وجاز الانتقال في الفاصلة والقرينة وقافية الأرجوزة من نوع إلى آخر ، بخلاف قافية القصيدة ، ومن ثمّ ترى : يَرْجِعُونَ مع عَلِيمٌ [ آل عمران : 72 ، 73 ] ، و الْمِيعادَ مع الثَّوابِ [ آل عمران : 194 ، 195 ] ، وَالطَّارِقِ مع الثَّاقِبُ [ الطارق : 1 ، 3 ] . والأصل في الفاصلة والقرينة المتجرّدة في الآية والسجعة المساواة ، ومن ثمّ أجمع العادّون على ترك عدّ : وَيَأْتِ بِآخَرِينَ [ النساء : 133 ] ، وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ في النساء : [ 172 ] ، كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ بسبحان [ الإسراء : 59 ] ، و لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ بمريم [ 97 ] ، و لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ بطه [ 113 ] . و مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ الطلاق : 11 ] ، أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ بالطلاق [ 12 ] . حث لم يشاكل طرفيه . وعلى ترك عدّ : أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ بآل عمران [ 83 ] . و أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ بالمائدة [ 50 ] . وعدّوا نظائرها للمناسبة ، نحو : لِأُولِي الْأَلْبابِ بآل عمران [ 190 ] ، و عَلَى اللَّهِ كَذِباً بالكهف [ 15 ] . وَالسَّلْوى بطه [ 80 ] « 1 » . وقال غيره : تقع الفاصلة عند الاستراحة بالخطاب ؛ لتحسين الكلام بها ، وهي الطريقة التي يباين القرآن بها سائر الكلام ، وتسمى فواصل ؛ لأنه ينفصل عنده الكلامان ، وذلك أنّ آخر الآية فصل بينها وبين ما بعدها ، وأخذا من قوله تعالى : كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ [ فصلت : 3 ] . ولا يجوز تسميتها قوافي إجماعا ؛ لأنّ الله تعالى لمّا سلب عنه اسم الشعر وجب سلب القافية عنه أيضا لأنها منه ، وخاصة في الاصطلاح ، وكما يمتنع استعمال القافية فيه يمتنع استعمال الفاصلة في الشعر ؛ لأنها صفة لكتاب اللّه تعالى فلا تتعدّاه . وهل يجوز استعمال السجع في القرآن ؟ « 2 » خرف ، الجمهور على المنع ؛ لأنّ أصله من سجمع الطير فشرف القرآن أن يستعار لشيء منه لفظ أصله مهمل ؛ ولأجل تشريفه عن مشاركة غيره من الكلام الحادث في وصفه بذلك ، ولأنّ القرآن من صفاته تعالى ، فلا يجوز
--> ( 1 ) البرهان 1 / 99 - 100 . ( 2 ) انظر الفاصلة ص 91 ، وأسس النقد عند العرب لأحمد بدوي ص 601 و 909 ، والإيجاز للرازي ص 142 - 143 .